حيدر حب الله
120
شمول الشريعة
والخلود وأكمليّة الإسلام وقوانين الملازمة وغير ذلك ، بصرف النظر عن صحّة استنتاج الشموليّة القانونيّة منها . وهذا يعني أنّه من المنطقي للغاية ومن المعقول المبرّر تاريخيّاً وفق منهج إمكان التبرير ( Justification ) أن تكون مثل هذه الأدلّة هي التي بلورت لديهم في القرن الثاني الهجري فكرةً من هذا النوع ، وأنّ التيار الذي انتصر لهذه الفكرة قد هيمن على الثقافة الإسلاميّة لاحقاً . ويتأكّد الأمر إماميّاً بالنظر لما سوف يأتي من كثرة الروايات التي تمثل مستنداً لهذه النظريّة ، فالإمامية يمتاز تراثهم الحديثي عن أئمّتهم بوفرة النصوص التي يمكن أن تصبّ لصالح هذه الشموليّة التامّة ، وهذا يعني أنّ هذا الإجماع يمكن أن يكون قد تبلور نتيجة هذه النصوص الحاضرة في التداول البحثي والديني . واستتباعاً لذلك ، لا يغدو هذا الإجماع عمليّة كاشفة عن موقف يرجع لشخص النبيّ المبلّغ للدين ؛ إذ لعلّه مجرّد اجتهاد إسلامي تبلور تدريجيّاً في فضاء تنامي حضور الفقهاء والقضاة في الحياة الاجتماعيّة للمسلمين ، خاصّةً بعد قيام الدولة العباسيّة « 1 » ، ومن ثمّ فمن حقّ الباحثين اللاحقين أن يناقشوا هؤلاء المجمعين في منطلقاتهم ومبرراتهم وأدلّتهم ، إذا رأوا أنّ مستنداتهم المحتملة لا تقوم على قراءة صحيحة . ونستخلص من هذه المقاربة لدليل الإجماع والسيرة أنّه من الصعب أن نقتنع بصوابيّة هذا الدليل بطريقة علميّة ، رغم أنّ الوقوف في مقابل إجماعٍ إسلاميّ أو شهرة إسلاميّة قويّة إلى هذا الحدّ ليس أمراً سهلًا على الصعيد النفسي . وهذا الذي نفعله في الاختلاف مع كثير من الإجماعات والشهرات الإسلاميّة لا يعني ترجيح العقل الفردي ( عقل الواحد ) على العقل الجمعي ( عقل الكثير ) إذا صحّ التعبير ، حتى يقال بأنّه ترجيحٌ يفتقد في نفسه إلى الترجيح العقلاني ؛ لأنّ القضيّة لا تقاس بهذه الطريقة ، بل تقاس بمقاربة أدلّة الموضوع ومناقشاتنا لها ، مع إمكانيّات الخطأ المتتالي زمنيّاً ، وهو أمر تؤكّد الشواهد التاريخيّة على وقوعه بكثرة في كلّ الأديان . بل لو أردت أن أدخل في تحليلٍ افتراضيّ ليس عندي دليل علمي حاسم عليه ، لربما أمكنني
--> ( 1 ) حول موضوع القضاء وتطوّراته والتخصّص الفقهي ، لا بأس بمراجعة مثل كتاب : وائل حلاق ، نشأة الفقه الإسلامي وتطوّره : 95 - 150 ؛ كما تعرّض لهذا الموضوع في كتب أخرى له .